عماد الدين خليل
28
المستشرقون والسيرة النبوية
فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقيّة لأشخاص السيرة ؛ فصوّروهم حسب منطقهم الغربي ، وخيالهم العصري . . » ، وما يلبث دينييه أن يضرب مثلا معاكسا فيقول : « ما رأي الأوربيين في عالم من أقصى الصين يتناول المتناقضات التي تكثر عند مؤرّخي الفرنسيين ويمحّصها بمنطقه الشرقي البعيد ، ثم يهدم قصة ( الكاردينال ريشليو ) كما نعرفها ليعيد إلينا ( ريشيليو ) آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وسماته وطبعه ؟ إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق بسيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ويخيّل إلينا أننا نسمع محمدا يتحدّث في مؤلّفاتهم إما باللّهجة الألمانيّة أو الإنكليزيّة أو الفرنسية ولا نتمثّله قط ، بهذه العقليّة والطباع التي ألصقت به ، يحدّث عربا باللغة العربية » ، وينتهي المستشرق الفرنسي - الذي أعلن إسلامه - إلى القول : « إن صورة نبيّنا الجليلة التي خلّفها المنقول الإسلامي تبدو أجلّ وأسمى إذا قيست بهذه الصورة المصطنعة الضئيلة التي صيغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد » « 1 » . ويشير الدكتور جواد علي إلى أن كيتاني ، وهو من كبار المستشرقين الأوائل الذين كتبوا عن حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كان يعتمد منهجا معكوسا في البحث يذكّرنا بكثير من المختصّين الجدد في حقل التاريخ الإسلامي ، والذين يعملون وفق منهج خاطئ من أساسه ، إذ إنهم يبيّتون فكرة مسبقة ثم يجيئون إلى وقائع التاريخ لكي يستلّوا منها ما يؤيّد فكرتهم ويستبعد ما دون ذلك ، فلقد كان كيتاني ( ذا رأي وفكرة ) وضع رأيه وفكرته في السيرة قبل الشروع في تدوينها فإذا شرع بها استعان بكلّ خبر من الأخبار ظفر به ، ضعيفها وقويّها ، وتمسّك بها كلّها ولا سيّما ما يلائم رأيه ، ولم يبال في الخبر الضعيف بل قوّاه وسنده وعدّه حجّة ، وبنى حكمه عليه ، ومن يدري فلعلّه كان يعلم بسلاسل الكذب المشهورة والمعروفة عند العلماء ، ولكنه عفا عنها وغضّ نظره عن أقوال أولئك العلماء فيها ؛ لأنه صاحب فكرة يريد إثباتها بأية طريقة
--> ( 1 ) محمد رسول اللّه ، المقدمة ، ص 27 - 28 ، 43 - 44 .